الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
322
نفحات الولاية
ببصره ، فعل الشجاع المقدام غير المكترث ولاالمبالي ، لأن الجبان تضعف نفسه ويخفق قلبه فيقصر بصره ولا يرتفع طرفه ولا يمتد عنقه ، ويكون ناكس الرأس ، غضيض الطرف . وفي الثانية أمره أن يغض بصره عن بريق سيوفهم ولمعان دروعهم ، لئلا يبرق بصره ويدهش ويستشعر خوفا . والشاهد على ذلك ما أورده عليه السلام في موضع آخر من نهج البلاغة بهذا الشأن إذ قال : « وغضوا الأبصار فإنه أربط للجأش واسكن للقلوب » « 1 » . أمّا في الجملة السابعة والأخيرة فقد أشار عليه السلام إلى نقطة مهمّة وأساسية تنطوي على أبعاد روحية معنوية تطمئن النفوس وتحدوها بالتطلع إلى اللَّه « واعلم أن النصر من عند اللَّه سبحانه » فالنصر لا يستند إلى الأسباب والمقدمات الظاهرية ، بل المهم إرادة اللَّه سبحانه ونصره ، فتوكل على اللَّه وثق به واسأله الغلبة فهو القادر على كل شيء وهو الرحمن الرحيم بعباده المؤمنين المجاهدين « وَما النَّصْرُ إِلّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ » « 2 » . والطريف في الأمر أن القرآن الكريم تحدث عن نصرة الملائكة إلّاأنّه حث المؤمنين بالتضرع إلى اللَّه بنزول النصر لا الملائكة « بلى ان تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربكم بخمسة آلاف من الملائكة مسومين وماجعله اللَّه إلا بشرى لكم وتطمئن قلوبكم به وما النصر إلّامن عند اللَّه العزيز الحكيم » . تأمّلان 1 - محمد بن الحنفية ونسبه وبعض أخباره هو أحد أبناء أمير المؤمنين علي عليه السلام و « حنفية » لقب أمه واسمها خولة بنت أحد أشراف قبيلة « بني حنيفة » وقد أسرت في أحد المعارك الإسلامية وأرادوا بيعها ، فأعتقها عليه السلام وتزوجها . ورث محمد الشجاعة من علي عليه السلام وقيل كان يشق الدرع بيده لقوته . ومن هنا سلمه عليه السلام الراية يوم الجمل ، كما أسند إليه مع محمد بن أبي بكر وهاشم المرقال ميسرة جيشه في صفين . وكان شديد التواضع للحسن والحسين عليهما السلام .
--> ( 1 ) نهج البلاغة ، الخطبة 124 . ( 2 ) سورة آل عمران / 126 .